أبو علي سينا
مقدمة الشفاء 58
الشفاء ( المنطق )
ومما يلفت النظر أن الدعامة السيكلوجية التي تخيرها العرب أساسا لنظرياتهم المنطقية تذكرنا - من بعض النواحي - بدعامة أخرى مشابهة قال بها بويس ، وملخصها أن المنطق يعتمد على ثلاث عمليات عقلية ، وهي الإدراك ، والحكم ، والاستدلال « 1 » . وجاء مناطقة بور رويال فأضافوا إليها ، متأثرين بديكارت ، دعامة رابعة تصوب إلى المنهج ، وهي الترتيب « 2 » . وفي ضوء موضوع المنطق نستطيع أن نبين منفعته ، فهو الذي يعصمنا من الخطأ في إدراك المعاني وتصوّرها تصوّرا صحيحا ، بما يقدم لنا من قواعد الحد الحقيقي ، والتفرقة بين الذاتي والعرضي ، وبين ما يقوّم الماهية وما لا يقوّمها . ويعصمنا أيضا من الخطأ في التصديق والانتهاء إلى أحكام ونتائج باطلة أو غير مسلمة ، فيرسم لنا طرائق البرهان الموصل إلى اليقين ، ويحذرنا من السفسطة التي تؤدى إلى الغلط أو المغالطة « 3 » . وقد يتفق للإنسان بفطرته أن يهتدى إلى حد حقيقي موجب لتصوّر صحيح ، أو إلى حجة مقنعة تؤدى إلى تصديق حق ، إلا أن الفطرة لا يؤمن غلطها ، وإن أصابت فما أشبهها برمية من غير رام . ولو قلنا بها وحدها لألغينا العلم والصناعات كلها ، على أنها لو كانت كافية ما تعدّدت المذاهب ، وما اختلف الناس فيما بينهم ، بل وما ناقض الإنسان نفسه « 4 » .
--> ( 1 ) Janet et Seailles , Hisi . de la philos . , Paris , 1928 , p . 496 : Ces trois operations sont : concevoir , juger et raisonner . ( 2 ) Arnaud , La Logique de Port Royal , Paris , 1877 , p . 27 : Ces quatre actes principaux de l' esprit sont : corcevoir , juger , raisonner et rdonner . ( 3 ) ابن سينا ، المدخل ، ص 18 - 19 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 19 .